نخبة من الأكاديميين
65
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
وحصَّنوها . وقد ازدهرت هذه المستوطنة ( العربية المسلمة ) على مدى فترة طويلة من الزمان باعتبارها قاعدة للإغارات التي شنها سكانها على المناطق المجاورة . ويشرح المؤرخ لويتبراند الكريموني الموقف بقوله : « أهل البروفنسال الذين كانوا أقرب الجيران لأولئك الناس بدأوا يختلفون في ما بينهم بفعل الحسد . . ولأن كل فريق لم يستطع أن يجد ما يشفي حسده ، فإنهم استدعوا العرب أنفسهم لكي يساعدوهم ؛ وهم قوم بلا دين وأهل مكر ودهاء » . وقد ميَّز لويتبراند بين مختلف القوى العربية الإسلامية ، وكان في هذا أكثر حرصًا من غيره . إذْ كان من رأيه أن الأغالبة الذين جاؤوا من تونس ليستوطنوا جنوب إيطاليا كانوا أسوأ من عرب « غارد - فرينيه » . هنا نصل إلى نقطة فارقة في تحطيم الصورة الأيديولوجية عن الحدود الفاصلة بين « عالم الإسلام » و « عالم المسيحية » ، ففي القرن الثامن الميلادي / الثاني الهجري كان المسلمون ، بالنسبة للأوروبيين مجرد عامل عادي من بين عدة عوامل حكمت مسير الحوادث التاريخية في ذلك الحين . فقد كانت التحالفات ، بينهم وبين المسلمين آنذاك أمرًا عاديًا . ولم يكن المسلمون ، بالضرورة ، هم الذين يستفيدون من هذه التحالفات ، لأنهم كانوا مجرد عنصر واحد من العناصر الأجنبية التي عرفها الأوروبيون في ذلك الحين ، ولم تكن المواقف الأيديولوجية التي تبلورت في القرون التالية سوى ثمرة من ثمار الدعاوة المعادية النزقة التي سبقت الحروب الصليبية وواكبتها . ولم تكن تعبيرًا عن حقائق التاريخ أبدًا . فلم تكن هناك قطيعة سياسية بين عالم الإسلام والغرب المسيحي من ناحية ، كما أن الحرب لم تكن هي العلاقة الوحيدة بين الجانبين قبل عصر الحروب الصليبية من ناحية أخرى . إذ كانت هناك علاقات من نوع ما بين بعض السلالات الحاكمة في أوروبا وبين الحكام المسلمين ؛ فقد كانت الأسرة الكارولنجية تتيه عجبًا عندما تظن أنها دولة عالمية وترى نفسها في صورة كوزموبوليتانية . ففي سنة 692 م تباهي بيبان الثاني ، هرستال ( Pepin II Herstal ) ( م - 714 م ) الذي كان عمدة القصر وصاحب السلطة الفعلية في مملكة الفرنجة الميروفنچيين ، بأنه استقبل السفراء من كل الأمم المجاورة « اليونان ، والرومان ، واللمبارديين ، والهون ، والسلاف ، والمسلمين » . وذلك قبل قيام الدولة الكارولنجية . كما أن الحكام العرب في الأندلس غالبًا ما كان يرد ذكرهم في الحوليات المعاصرة ، وكانت أسماؤهم معروفة جيداً ؛ مثل أسماء الأباطرة والقادة البيزنطيين بالأقل . ، وقد سجلت المصادر التاريخية أن الملك الكارولنجي استقبل حاكم سرقسطة وغيره من الحكام العرب المسلمين في الأندلس . وفي ذروة حكم شارلمان ( 743 - 814 Charlemagne م ) ، تسجل الحوليات أنه في سنة 797 م ، تم استقبال الأمير المسلم عبد الله الذي كان هاربًا من حكم أخيه في المغرب ، في عاصمته آخن ، وفي سنة 817 م استقبل الإمبراطور شارلمان نفسه مبعوثي حكام الأندلس الذين أمضوا الشتاء في عاصمته آخن . بيد أن أشهر روايات العلاقات بين العرب والأوروبيين في تلك العصور هي تلك التي تتحدث عن